كورونا الشرق الأوسط: أزمة أطول من عمر الوباء

وباء كورونا (كوفيد-19) الذي يعصف بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما العالم، سيكون له وقع أشد على المنطقة نظرا للأزمات المتراكمة قبل وصول الفيروس، من الهيكلية الاقتصادية للدول النفطية، إلى الأيديولوجيات الفاسدة والتفكك الذي تشهده الدول الفاشلة.

أكثر من 21 ألف إصابة بكورونا من شواطئ تركيا حتى المغرب مرورا بإيران التي يستنزفها كورونا اليوم بأكثر من 18 ألف إصابة و1284 حالة وفاة (حتى كتابة هذا المقال). بعض الدول تعتمد الشفافية في تسجيل الإصابات وبعض الآخر يكذب ويتحايل ظنا منه أن إخفاء الحالات سيزيد من هيبة أنظمة بائسة لم يكن همها يوما صحة مواطنيها.

لنأخذ النظام السوري مثلا، الذي خرق علم الأوبئة ولم يسجل أي حالات لكورونا علما أن الوجود العسكري الإيراني خارج إيران أكثره في "سوريا الأسد"، والمستشفيات ـ أو ما تبقى منها ـ وبحسب من هم في الداخل ترصد حالات متطابقة للفيروس في سوريا. مع ذلك أصدرت الخارجية السورية بيانا هذا الأسبوع تدعو فيه المجتمع الدولي إلى "رفع العقوبات (عن النظام السوري) بشكل فوري… خاصة في هذه الظروف التي انتشر فيها فيروس كورونا في الدول المجاورة". أي أن النظام غير قادر على الاعتراف بإصابات كورونا في المدن والمخيمات والأرياف السورية، إنما يريد رفع العقوبات شغفا وحبا وإحاطة منه بدول الجوار.


هل المقصود بدول الجوار لبنان الذي تسلط عليه نظام الأسد لعقود؟ أو العراق الذي أوفد إليه النظام السوري انتحاريين وجهاديين بعد سقوط صدام حسين؟ أو ربما يقصد النظام تركيا التي تستقبل اليوم ملايين من اللاجئين السوريين.

طبعا، النظام السوري ليس وحده اليوم من يحور ويتهرب من حقيقة إصابات كورونا، إنما هو نموذج للأزمة العميقة التي ستواجهها دول المنطقة الفاشلة بينها سوريا. فمن دون الإفصاح عن الحالات، لن يكون هناك علاج أو معونات أو أبسط مكونات التنسيق الإقليمي والدولي.

إيران بالمقابل أدركت وبعد إضاعة شهر حجم أزمتها علما أن صور المقابر الجماعية والتقارير من داخل البلاد توحي بأن الأرقام أكثر من العدد المعلن. أكثر من 25 مسؤول ورجل دين إيراني ذهبوا ضحية كورونا، أو مصابون بالمرض. بين هؤلاء علي أكبر ولايتي ومجتبى زنور أي شخصيات نافذة في النظام. مشكلة إيران أيضا هي في تهاوي أسعار النفط وانكماش اقتصادها بسبب العقوبات فيما شراكتها ومشاريعها الحيوية مع الصين في مدينة قم يحاصرها خطر كورونا.

ليست مصادفة في أن إيران اليوم تتفاوض مع بريطانيا للإفراج عن الرهائن ونقلت رهينتين بريطانية وأميركية خارج السجن. الخناق الاقتصادي على طهران والذي ضاعفه كورونا وأسعار النفط، قد يجبر إيران على اتخاذ خيارات صعبة لتجاوز المحنة.


في هذه الخانة أيضا لبنان القابع تحت شبح الانهيار وأفرج عن السجين الأميركي ذو الأصول اللبنانية عامر فاخوري الاثنين. صفقة الفاخوري هي مؤشر من "حزب الله" وحلفائه في الحكومة على الاستعداد لإبداء المرونة والعمل مع الأميركيين لطالما أن مكاسبه الداخلية على حالها. هل توصل هذه اللعبة إلى قبول شروط صندوق النقد الدولي؟ ليس هناك مهرب منها. فإما تقبلها الحكومة الحالية، أو يمضي لبنان إلى الانهيار وتشكيل حكومة أخرى على الأرجح تعود للقبول بهذه الشروط.

في الخليج، يطرح وباء كورونا أزمة متشابكة ومتلاصقة بأسعار النفط والسوق العالمي. فجمود الحركة اليوم، وانخفاض الأسعار والتشنج مع روسيا حول هذا الأمر، يوحي بحالة ركود اقتصادي في دول مجلس التعاون تتطلب تعاضدا أكبر بينها. فعائدات النفط هي مصدر الخدمات الحكومية وشريان الحياة في العديد من هذه الدول.

المنطقة بأسرها كانت تمضي ببطء نحو مرحلة انكماش اقتصادي وجمود سياسي، استعجلها اليوم وباء كورونا. التعامل مع الأزمة يوجب نظرة استراتيجية والعمل المشترك لاحتواء الوباء ومن ثم النظر بحوار جدي نحو حلول إقليمية بدل منازلات أيديولوجية تغرق المنطقة ومن فيها.



* قناة الحرة

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك