مشكلة تعز.. ورخاوة الشرعية

في الوقت الذي تتجه فيه الأوضاع في بقية المحافظات المحررة نحو التهدئة وعقد تسويات سياسية بين الشرعية والأطراف المتصارعة معها في جنوب البلاد، تبرز قضية تعز كواحدة من أهم المحافظات المحررة شمالًا والتي تعاني من اضطراب داخلي مستمر منذ سنوات، على كل الأصعدة سياسيًا وإداريًا وعسكريًا.

بداية من المعروف أن مدينة كتعز تمثل رافعة المشروع الوطني الأكثر أهمية والأرضية الصلبة لمشروع الدولة في الشمال، حيث تزداد الأهمية المحورية للمدينة كونها تمثل المخزن البشري المساند للشرعية ومحضن الطبقة المثقفة في البلاد والتي تشكل اليد الناعمة للشرعية في سعيها لاسترداد الدولة، وازدادت الأهمية المركزية للمدينة بعد خروج صنعاء عن نطاق الشرعية ووقوعها في قبضة الانقلابيين منذ سنوات، لهذا كان بإمكان الشرعية أن تتخذ من تعز منطلقاً سياسياً لمجابهة الإنقلاب وذلك ما كان ليتحقق دون التحرير الكامل للمدينة، بما يؤهلها لاحتضان الدولة دون أن يكون هناك أي تهديد قد تتعرض له.

لكن هذا لم يحدث، فأهم مواطن القوة التي لم تتقن الشرعية استثمارها كما يجب في معركتها ضد الإنقلاب، هي قضية تعز، ومع أن معركة تعز مع الإنقلابيين كانت مصيرية بالنسبة لبقية المعارك في كامل البلاد، إلا أن الشرعية لم تبذل جهداً كافياً لتخليصها بسرعة من أيديهم، وهذا ما شكل ثقبًا كبيراً حرم الشرعية واحدًا من أهم عوامل استقرارها داخل البلد.

لجانب فشل معركة التحرير، لدينا فشل إداري مخجل، فنحن أمام رابع محافظ لتعز منذ بداية الحرب مع الإنقلابيين، ولم يتمكن أي من هؤلاء المحافظين من السيطرة على الأوضاع في المدينة، وهذا ما أسهم في تصاعد مشكلاتها وإظهار شقاقات كثيرة داخل الصف الشرعي الواحد، حيث الإرتباك الإداري وتأخير حسم المعركة ولد حالة من السخط الشعبي ومكّن أطرافاً كثيرة من الدخول على الخط ومحاولة استثمار اللعبة من داخلها وسحب الصراع لنقاط بعيدة وتحويل القضية لمعركة سياسية، وصراع الكل ضد الكل بعيداً عن جوهر معركة المدينة الأصلية المتمثلة في إعادة تطبيع الحياة وتخليص المدينة من الخناق الذي تعاني منه جراء سيطرة المليشيا على مداخلها منذ سنوات.

من الواضح أن بقاء معركة تعز معلقة هكذا دون حسم، يمثل نقطة استنزاف رهيبة للشرعية، بينما كان بإمكان الشرعية الدفع باتجاه التحرير الكامل لها وتحويل المدينة لنقطة ارتكاز محورية في مشروع استعادة الدولة، بدلاً من بقائها منطقة صراع مفتوح تستنزف مقدرات المدينة وبهذا تكون الشرعية قد أهدرت أحد أهم نقاط القوة التي كانت ستعضد مشروع الدولة بشكل أكبر وتسهم في خلخلة قبضة المليشيا الانقلابية في باقي المناطق.

إلى جانب بقاء الحرب معلقة، وعدم حسم معركة تعز، تعد الانقسامات السياسية والعسكرية أحد الأسباب التي جعلت المدينة غير مؤهلة بشكل جيد لأن تكون منطلقًا لعمل الشرعية، فهناك حالة من الاستقطاب السياسي داخل القوى الحاضرة في المدينة، وهذا الأمر لم يتوقف هنا بل يضاف إليه استقطاب عسكري صامت هو الأخطر داخل منظومة الجيش الوليدة في المدينة، وأخيراً حالة التململ الشعبي من الأوضاع الإدارية، وكل هذه الارتباكات لا يمكن اعتبارها مجرد احتكاكات داخلية عابرة بل هي انعكاس لانقسام داخلي حاد وتجسيداً لفشل الشرعية في تقديم نموذج إداري جيد لأهم محافظة شمالية تقع تحت سيطرتها.

الخلاصة: أن الشرعية فرطت بقصد أو بدون قصد بواحد من أهم عوامل قوتها وهو عامل الاستقرار لمدينة تعز كونها قاعدة ارتكاز يقوم عليها أي نظام يريد أن يحكم قبضته على البلاد، وكيف كان سيؤثر استقرارها السياسي ونجاحها الإداري على تماسك الشرعية أكثر وتمكنها من تعجيل معركتها ضد خصومها الانقلابيين، فلا تنتصر قوة في الشمال بدون تعز، ولا تنهرم دولة تؤيدها تعز، وما زال الزمن ممكنًا لمراجعة سياسية الشرعية تجاه تعز واستعادة إمساكها بالملف السياسي والعسكري فيها؛ لتسهم في تثبيت وجودها أكثر والتعحيل بسقوط الانقلاب.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


كلمات مفتاحية

#اليمن #تعز

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية