اليمن ونخبة تنظير عاجي في الخليج

مثلما كشف لنا الربيع العربي حجم الهوة السحيقة بين السلطات الحاكمة وشعوبها، كشف لنا الهوة السحيقة نفسها بين نخب البروج العاجية والشعوب أيضاً، فلا استطاعت تلك النخب أن تفهم الواقع كما هو، ولا استطاعت أن تفهم ما تريده الشعوب المتعطشة للحرية والكرامة والعيش الكريم، ولا هي التي صمتت ولم تتحول إلى مجرد بوق وسوط في يد الحكام ضد شعوبها أيضاً.

كم تساقطت نخب كانت تحسب نفسها رائدة للتنوير والديمقراطية والعلمانية والتفكير الليبرالي الحر، لكنها سقطت سقوطاً مدوّياً، عند أول اختبار حقيقي لمفهوم ما تنادي به من قيم وأفكار وسلوكيات عامة، كالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، حيث تخندقت كل هذه النخب إلا قليلاً منها، في صف الحاكم وسلطاته القمعية الأمنية والعسكرية والإعلامية على حد سواء.

الأكثر غرابة اليوم ما نراه من تنظير معظم النخبة الخليجية المترفة والغارقة في ترف التنظير السفسطائي العقيم بشأن كثيرٍ من قضايا الأمة اليوم، هذه النخبة العاجية فكراً وممارسة هي اليوم الأكثر انكشافاً وسطحية من غيرها، في حديثها عن قضايا كبيرة ومصيرية بأريحيةٍ غريبةٍ وباردة، تلك الأريحية التي تنبع من سطحيةٍ قاتلة في رؤية الأمور وتقديراتها، انعكاساً للبيئة التي لم يمارسوا فيها يوماً حتى مجرّد أن يكون أحدهم رئيس فصل، فضلاً عن رئيس اتحاد طلابي أو نقابة مهنية أو صحافية أو حقوقية. 

وفي المقابل، هناك من أريقت دماؤهم في سبيل كرامة شعوبهم وحرياتها في معركة تاريخية ومصيرية، لن تقف عند هذه اللحظة وتداعياتها قطعاً، ولكنها مستمرة في سيرورة تاريخية، حتى تحقيق مطامح هذه الشعوب العظيمة والكريمة وأمنياتها، الشعوب التي لا يمكن سلبها إرادتها برشوةٍ من حاكم لص.

من أبرز مقالات عدة لنخب خليجية، أخيراً، مقال للأكاديمي والكاتب، محمد الرميحي، والذي يقدّم نفسه من أهل التفكير الحر، "قد يكون الحل في اليمن يمنين"، في صحيفة الشرق الأوسط. 

ظهر الرجل فيه متناقضاً ومرتبكاً بصورة لم يظهر بها من قبل، وهو الكاتب المحترف، في إشارة واضحة عن عدم قناعته بما طرحه في مقالته، لكنه تحدث بأفكار انطباعية ونمطية بوصفها مسلماتٍ عن الشعب اليمني المسلح، والعالق في حروبٍ لا تنتهي، وأن شروطاً تاريخية للدولة غير متحققة في الحالة اليمنية، ومن ثم فإن وجود دولة في جنوب اليمن قد يكون حلاً لهذا الإشكال، مع إبقاء الشمال لمليشيات الحوثي. 

ولا يمكن أن يصدر حكم نمطي مسبق كهذا عن عالم اجتماعي سياسي، عدا عن باحث مبتدئ في هذا السياق، فالدولة في الحالة اليمنية لم تكن حالة طارئة، على الرغم من الحالة المشوشة حالياً، ففي تاريخ اليمن صور أكثر إبهاراً لمفهوم الدولة منذ ما قبل الميلاد، عدا عن دول ما بعد الإسلام، وهي دول شكّلت حضوراً فكرياً وثقافياً وحضارياً كبيراً، وتركت في مدوناتها وسردياتها التاريخية شواهد كثيرة على إبداعية الفعل السياسي اليمني وتجلياته القانونية، من قانون الجنسية في الدولة المعينية، مروراً بالحكم المدني بالمفهوم العلماني الراهن، إلى الدولة الصليحية التي تبنّتها سيدة بنت أحمد الصليحي التي كانت إحدى اليمنيات اللواتي اعتلين عرش اليمن قبل أن يعرف عرب الشمال مفهوم الدولة أصلاً.

الجانب الأهم والمغيب في مقاربة الرميحي، وغفل عن ذكرها وتخطّاها، في البحث عن أهم مسببات إعاقة قيام دولة يمنية حديثة، هو العامل الخارجي الأبرز، وهو عامل مركزي في تشكيل حالة إعاقة دائمة لقيام هذه الدولة، إذ يعدّ المال الخليجي، وكذا سياسات بعض أنظمة الجوار الخليجي، والسعودية تحديداً، من أهم هذه الإعاقات، من خلال مفسدة المال السياسي الذي يظل عقبة حقيقية أمام استقرار اليمن ومؤسساته الحاكمة منذ ما بعد المصالحة الوطنية عام 1970 وحتى هذا اللحظة التي تحوّلت فيها وفرة المال الإماراتي إلى عائق جديد، وأكثر تدميراً للاجتماع السياسي اليمني الراهن. 

أما راهناً، فيغفل كثيراً الرميحي أن اليمن المشطر عاش حربين طاحنتين وحروباً أهلية داخلية طاحنة أيضاً، بين النظامين الحاكمين حينها، وأن الإشكال القائم كان كامناً في النظام الحاكم الذي حوّل الوحدة من فرصة للنهوض إلى عامل لعدم الاستقرار، وذلك بإفراغ الوحدة من مضمونها، ومن أهم نتائج تلك السياسة سقوط ذلك النظام، ممثلاً بمنظومة الرئيس علي عبدالله صالح الذي وقع في شر أعماله، نتيجة لواحدة من أنبل ثورات اليمنيين المدنية وأعظمها، ثورة 11 فبراير التي أسقطت ذلك النظام، وأعادت زمام الأمور إلى اليمنيين أنفسهم، لولا تدخل الأشقاء في الخليج بمبادرة رتبت المشهد لانقلاب الحوثيين بعد ذلك وصولاً إلى الحرب الراهنة.

هناك ملاحظات أخرى كثيرة على مقالة الرميحي، وتم الاكتفاء هنا بالملاحظتين السابقتين، فثمة مقالة أيضاً لوزير الإعلام الكويتي الأسبق، سعد بن طفلة العجمي، ظهر فيها للأسف أكثر سطحية وعاطفية، فقد بدت أشبه بقصيدة شعر نبطية أكثر منها مقالة سياسية، وذلك في حديث كاتبها عن إنجاز كبير حققته عملية عاصفة الحزم العسكرية، بقطع يد المشروع الإيراني في اليمن، متجاهلاً الوضع المتفاقم للهيمنة الإيرانية في اليمن، ويدها الطولى جماعة الحوثي، وما وصلت إليه من قدرات عسكرية جوية بعد أربع سنوات من الحرب ومن إعلان التحالف القضاء على أكثر من 80% من قدرات الحوثيين الصاروخية. .. لا يوضح بن طفلة ما يقصده ببتر يد المشروع الإيراني في اليمن. 

والأكثر مرارة حديثه عن الفروق الكبيرة بين شمال اليمن وجنوبه، فيظهر جهله الكبير بتاريخ اليمن وواحدية هذا البلد التاريخية الذي تقاسمته دول تاريخية وحضارات يمنية قديمة شمالاً وجنوباً، وكان الشرق اليمني، أي حضرموت وشبوة والجوف ومأرب، مراكز هذه الدويلات الحضارية.


وأخيراً، هناك الكاتب والمثقف الموصوف بالليبرالية، تركي الحمد، والذي أظهره عالم السوشيال ميديا بصورته الحقيقية غير التي تحجبه عن الناس، وهي صورة مليئة بالسطحية والخواء، عندما يتحدث عن اليمن، يأتي على الجنوب العربي، وهذه هي التسمية البريطانية للسلطنات الحاكمة لجنوب اليمن قبل الاستقلال في عام 1967.


مثل هذه النخب، بما تقدّمه من تهريج "أكاديمي"، جزء من مشهد عربي خليجي يتصف، في جوانب منه، بالضياع والانحدار نحو الهاوية التي تمضي نحوها المنطقة، بسبب السطحية في التعاطي مع قضايا مركزية ومصيرية بالنسبة لهذه المنطقة، وشعبها العربي صاحب التاريخ والجغرافيا المشتركة. إلى أين تمضي بنا وبهذه المنطقة هذه النخب الهشّة والكرتونية في تناولها تاريخ المنطقة وقضاياها بهذه الخفّة؟ 

أصبحت الصورة اليوم أكثر وضوحاً، إننا أمام لحظة تاريخية فاصلة، لحظة تحوّل حاسمة ستحدّد مستقبل المنطقة كلها. 

ستعرّي هذه اللحظة الكاشفة الجميع، وهي لحظةٌ تكشف عن جوهر الناس وقيمهم الحضارية التي تربوا عليها، القيم الحارسة للتاريخ والمشترك الإنساني العربي الراهن التي حتماً هي من ستنتصر على كل هذه الإسفاف الذي يخيم على المشهد الراهن عربياً.

*مقال للكاتب في موقع العربي الجديد


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك